الحلبي

437

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فعلت قريش فاشتدوا راجعين إلى بلادهم » . وفي رواية « فدخلت العسكر ، فإذا الناس في عسكرهم يقولون الرحيل الرحيل لا مقام لكم والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم ، وتضربهم بالحجارة ، والريح لا تجاوز عسكرهم ، فلما انتصفت الطريق إذا أنا بنحو عشرين فارسا معتمين ، فخرج إليّ منهم فارسان وقالا : أخبر صاحبك أن اللّه كفاه القوم . قال حذيفة : ثم أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوجدته قائما يصلي فخبرته ، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، أي وفي رواية « فأخبرته الخبر فضحك حتى بدت ثناياه في سواد الليل ، وعاودني البرد ، فجعلت أقرقف ، فأومأ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده فدنوت منه ، فسدل عليّ من فضل شملته فنمت ولم أزل نائما حتى الصبح » أي طلوع الفجر « فلما أن أصبحت » أي دخل وقت صلاة الصبح « وقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قم يا نومان : أي يا كثير النوم ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما قال له : لا بأس عليك من برد حتى ترجع إليّ » . أي ومن هذا أي إرسال حذيفة رضي اللّه عنه وما تقدّم : أي من إرسال الزبير رضي اللّه عنه تعلم أن ذلك كان في الخندق ، ولا مانع منه ، لأنه يجوز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم عدل عن إرسال الزبير ، واختار حذيفة لأمر قام عنده صلى اللّه عليه وسلم ، من جملة ذلك كون الزبير رضي اللّه عنه كان عنده حدة وشدة لا يملك نفسه أن يحدث بالقوم ما نهى عنه حذيفة رضي اللّه عنه ، وحينئذ يرد قول بعضهم إن الزبير إنما أرسل لكشف أمر بني قريظة هل نقضوا العهد أم لا ؟ لا لكشف أمر قريش ، وحذيفة رضي اللّه عنه ذهب لكشف أمر قريش هل ارتحلوا أولا ، وقد اشتبه الأمر على بعض الناس فظنهما قضية واحدة فليتأمل ذلك . وكان يقال لحذيفة رضي اللّه عنه صاحب سر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي لا يعلمه غيره . فقد قال حذيفة رضي اللّه عنه « لقد حدثني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما كان وبما يكون حتى تقوم الساعة » أي وتقدم أن ابن مسعود رضي اللّه عنه كان يقال له أيضا صاحب سرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقد ذكر ابن ظفر في « ينبوع الحياة » في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : 9 ] وهبت ريح الصبا ليلا ، فقلعت الأوتاد ، وألقت عليهم الأبنية ، وكفأت القدور ، وسفت عليهم التراب ، ورمتهم بالحصا ، وسمعوا في أرجاء : أي نواحي معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح : أي من الملائكة ، فصار سيد كل حي يقول لقومه : يا بني فلان هلموا إليّ ، فإذا اجتمعوا قال : النجاء النجاء ، فارتحلوا هرابا في ليلتهم ، وتركوا ما استقلوه من متاعهم . أي والصبا هي الريح الشرقية . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قالت الصبا للشمال : اذهبي بنا ننصر رسول اللّه